أثار تحقيق نشرته «الإمارات اليوم»، أخيراً، بعنوان «التصلب المتعدد يهدد فرص المصابين بالعمل والزواج»، تفاعلاً واسعاً بين متعايشين مع المرض ومقدمي الرعاية لهم، عبّروا خلاله عن معاناتهم ضعف الوعي المجتمعي بالمرض والنظر إليه باعتباره وصمة وظيفية، مطالبين ببيئات عمل دامجة، ومرونة تراعي أوضاعهم الصحية، وتتيح لهم مواصلة مسيرتهم المهنية.
وفيما حددت الجمعية الوطنية للتصلب المتعدد خمسة تحديات تواجه المتعايشين في سوق العمل، تشمل نقص الوعي، والإنصاف في التوظيف، وقيود المساحات المكتبية، ومرونة العمل وإمكانية الوصول، وأنظمة الدعم، أكدت أنهم يُصنَّفون ضمن أصحاب الهمم، ويحق لهم التقدم للحصول على البطاقة المخصصة لهم، بينما شدد مختصون على أن التشخيص وحده لا يصلح معياراً للحكم على الكفاءة، وأن توفير التسهيلات قد يكون أقل كُلفة من خسارة الموظفين وخبراتهم.
الخوف من الإفصاح
وتفصيلاً، طالب متعايشون، عبر «الإمارات اليوم»، بتشجيع جهات العمل على توفير بيئات تناسب أوضاعهم الصحية، ومنحهم مرونة في تنفيذ مهامهم تتيح متابعة حالتهم من دون ضغوط مهنية، مقترحين استحداث إجازات طارئة بمعدل سبعة أيام سنوياً لأصحاب الأمراض المزمنة.
وأكدوا ترددهم في الإفصاح عن حالتهم لأصحاب العمل، خشية عدم الحصول على الدعم أو التعرض لخفض الرواتب أو الفصل، وأشاروا إلى أن الضغط للحفاظ على أداء مرتفع، وتجنب التشكيك في إنتاجيتهم، والقلق من مناقشة تحدياتهم، تزيد التوتر، وقد تسهم في تفاقم الأعراض، فضلاً عن محدودية فرص توظيفهم حتى عندما تكون آثار المرض طفيفة.
وذكروا أن توفير هذه المرونة يساعدهم على التوفيق بين متطلبات العلاج والالتزامات الوظيفية، مطالبين بأن يستند التعامل معهم إلى قدراتهم الفعلية، بدلاً من افتراض عجزهم عن العمل بمجرد معرفة التشخيص، خصوصاً مع تفاوت الأعراض وتأثيرها بين حالة وأخرى.
تمييز يدفع إلى المغادرة
وأوضحت الجمعية أن التحديات الخمسة، تشمل نقص الوعي، والإنصاف في التوظيف، وقيود المساحات المكتبية، ومرونة العمل وإمكانية الوصول، وأنظمة الدعم.
وأشارت إلى أن دراسة أجرتها عام 2024 أظهرت تعرض 26% من المتعايشين لشكل من أشكال التمييز في العمل، فيما أفاد 36% من العاطلين منهم بأن نقص دعم صاحب العمل كان السبب الرئيس لترك وظائفهم، وذكر 56% من العاطلين أنهم احتاجوا إلى مساحة للراحة أثناء العمل لإدارة الإرهاق.
وأضافت أن العديد من المتعايشين يغادرون وظائفهم خلال خمس سنوات من التشخيص، وأن صور التمييز تشمل نقص التعاطف الناتج عن ضعف الفهم، ورفض التعديلات الضرورية، وحجب الترقيات، وخفض التقييمات لتبرير إنهاء الخدمة، وعدم توفير مساحات مناسبة أو مرونة في ساعات العمل وإدارة المهام.
ولفتت إلى تحديات تأمينية تتعلق بفرض معايير أهلية منفصلة لحالتهم، بما يؤدي إلى ارتفاع الأقساط وقلة التغطية، ويسهم في خروج المتعايشين من سوق العمل.
بطاقة ومرونة ودعم
وأكدت الجمعية أن التصلب المتعدد يندرج في معظم الحالات ضمن فئة الإعاقة الجسدية، ويحق للمتعايشين التقدم للحصول على بطاقة أصحاب الهمم، والاستفادة من خدمات تهدف إلى دعمهم ومساعدتهم في المهام المرتبطة بالحياة اليومية.
ودعت أصحاب العمل إلى تشجيعهم على الحصول على البطاقة، وإزالة العوائق المادية، لضمان سهولة الحركة، وتوفير مساحات للراحة، واعتماد ساعات مرنة تتيح تخصيص وقت للعلاج وإعادة التأهيل وتقلل التوتر.
وأشارت إلى أن العمل الهجين أو عن بُعد قد يخفف أعباء التنقل، داعية إلى توجيه المتعايشين إلى خط الدعم «800677»، للتعرّف إلى برامج قد تساعد في تغطية كُلفة الأدوية وتخفيف الأعباء المالية.
وقالت مديرة قسم الأبحاث والتوعية بالجمعية، ياسمين متولي، إن عدد المتعايشين عالمياً ارتفع من نحو 1.8 مليون عام 2013 إلى 2.8 مليون عام 2020، ثم 3.1 ملايين وفق أحدث بيانات الأطلس.
وأوضحت أن الزيادة تعكس على الأرجح تحسن التشخيص، وارتفاع متوسط أعمار المتعايشين، وتطور أنظمة البيانات، وتنامي الوعي والنمو السكاني، مؤكدة أهمية قراءة الأرقام في هذا السياق.
وأضافت أن المؤشرات تشير إلى انتقال الإمارات تدريجياً إلى فئة المناطق ذات معدلات الانتشار المتوسطة إلى المرتفعة، ما يُعزّز أهمية الأبحاث المحلية لبناء صورة أدق عن واقع المرض في المنطقة.
التشخيص ليس حكماً وظيفياً
وأكد مستشار شؤون الاستثمار وريادة الأعمال والخبير الاقتصادي، الدكتور جمال السعيدي، أن الاستغناء عن موظف لمجرد تشخيصه، من دون تقييم قدرته الفعلية، قد يكون مكلفاً اقتصادياً وغير سليم إدارياً، إذ تختلف آثار المرض بين الأفراد، ويجب أن يكون المعيار الكفاءة والإنتاجية ومتطلبات الوظيفة.
وأوضح أن دمج المتعايشين استثمار في رأس المال البشري، وأن مرونة الساعات أو تعديل بعض المهام قد يكونان أقل كُلفة من استقطاب بديل وتدريبه وفقدان الخبرات المتراكمة.
وأشار إلى اختلاف كُلفة التهيئة بحسب الوظيفة واحتياجات الموظف، مؤكداً أهمية التقييم الطبي والوظيفي الفردي والحوار لتحديد التسهيلات المناسبة قبل الاستغناء عنه، بما يتوافق مع قرار مجلس الوزراء رقم «43» لسنة 2018 بشأن دعم عمل أصحاب الهمم، وتوفير البيئة المناسبة والمرونة والوسائل التقنية.
وأكد السعيدي أن الحفاظ على الكفاءات ليس مجرد موقف إنساني، بل هو قرار اقتصادي وإداري يستحق الدراسة، وأن التعديلات البسيطة قد تُمثّل خياراً أكثر استدامة من إنهاء العلاقة الوظيفية من دون بحث البدائل المناسبة.
حقوق لا مِنح
وقال المحامي الدكتور أحمد المعمري، إن الامتناع عن توفير بيئة دامجة، تشمل تكييف المكان والمعدات ومرونة الساعات عند الحاجة، قد يخالف التشريعات، مشدداً على الالتزام بالترتيبات التيسيرية المعقولة ما دامت لا تفرض عبئاً غير مناسب، وأوضح أن قرار دعم عمل أصحاب الهمم يسري على الجهات الحكومية الاتحادية والمحلية والقطاع الخاص، ويؤكد عدم التمييز والمساواة في الأجور وتوفير ظروف آمنة وصحية، وينظم شروط إنهاء الخدمة بسبب الإعاقة، مع مراعاة تأثيرها عند تقييم الأداء.
وقال إن المرسوم بقانون اتحادي رقم «33» لسنة 2021 بشأن تنظيم علاقات العمل يحظر التمييز بسبب الإعاقة، بما يؤثر في تكافؤ الفرص، فيما يكفل القانون الاتحادي رقم «29» لسنة 2006 وتعديلاته حقوق العمل والمساواة وعدم التمييز.
غرامات ومسارات للشكوى
وأشار المعمري إلى أن تشريعات دبي لحقوق أصحاب الهمم تتضمن، بحسب المخالفة والأحكام المنطبقة، غرامات تبلغ 10 آلاف درهم لبعض صور التمييز، و5000 درهم لعدم توفير الترتيبات المعقولة أو رفض توظيف مؤهل بسبب إعاقته من دون سبب مقبول.
وأوضح أن غرامات الإساءة قد تبلغ 50 ألف درهم، وتتضاعف عند التكرار خلال سنة إلى 100 ألف، مع إمكانية وقف النشاط ستة أشهر أو إلغاء الترخيص.
ولفت إلى إمكانية تقديم الشكاوى لوزارة الموارد البشرية والتوطين في القطاع الخاص أو الجهات المختصة بحسب علاقة العمل والاختصاص، وقد تشمل الإجراءات تصحيح المخالفة والمطالبة بالتعويض أمام المحاكم وفق ظروف الحالة.
التمييز يبدأ بتقييم
وأكدت المحامية نادية خالد، أن الحماية تتجاوز إتاحة التوظيف إلى المساواة الفعلية في الحقوق، وأن القرار المستند إلى الإعاقة بذاتها أو المنتقص من تكافؤ الفرص دون مسوغ مشروع قد يُشكّل تمييزاً محظوراً متى توافرت عناصر المخالفة.
وأوضحت أن التمييز قد يظهر في تقييمات غير منصفة، أو استبعاد من الترقية والتدريب، أو رفض الترتيبات اللازمة، من دون قرار صريح بالحرمان.
وأضافت أن عدالة التقييم لا تتحقق بتطبيق معايير شكلية متطابقة بمعزل عن ظروف الموظف، بل بمراعاة تأثير الإعاقة، واعتماد أسس موضوعية قابلة للتحقق، تضمن عدم الانتقاص من حقوقه في التطور المهني.
وشددت على عدم افتراض عقوبة موحدة لكل مخالفة، إذ يتحدد المسار بحسب الفعل، وجهة العمل، والتشريع المنطبق، وقد يشمل مساءلة إدارية أو عمالية أو تعويضاً قضائياً أو جزاءً بنص خاص.
ودعت إلى مراجعة سياسات التقييم والترقية والتدريب، وتهيئة المرافق والأدوات، وتوثيق القرارات بمعايير موضوعية تراعي ظروف الموظف، وتمكين المتضررين من المطالبة بحقوقهم لدى الجهات المختصة.
وأكدت ضرورة تمكين المتضرر من المطالبة بإنفاذ حقوقه، واتخاذ الإجراءات القانونية المناسبة متى ثبتت المخالفة.
التأمين تحكمه الوثيقة
وقال الخبير التأميني الرئيس التنفيذي لشركة «يو إي إس»، الدكتور جهاد فيتروني، إن باقات أساسية عديدة تغطي أمراضاً مزمنة، فيما يمكن إضافة أمراض أخرى مقابل أقساط إضافية وفق المنافع المتفق عليها.
وأوضح أن التصلب المتعدد قد يندرج ضمن الاستثناءات في بعض الوثائق لارتفاع كُلفة علاجه، ما يستلزم مراجعة شروط كل وثيقة، للتحقق من التغطية وإمكانية إضافة المرض.
وأضاف أن الوثيقة تُصمم بحسب احتياجات العميل واختياراته، بدءاً من الحدود الأساسية المحددة قانوناً، ثم المزايا الإضافية المطلوبة.
وأشار إلى أن نحو 85% من وثائق التأمين في الإمارات تُصدر لمصلحة شركات تختار جدول المنافع لموظفيها بحسب ميزانياتها، وأن نطاق التغطية يرتبط باختيارات مشتري الوثيقة والتشريعات المنظمة، سواء تعلق بأمراض نفسية أو عضوية.
من التشخيص إلى التخصص
فيما جسّدت تجربة استشاري طب الأعصاب، الدكتور أحمد شاتيلا، المتعايش مع التصلب المتعدد والحائز جائزة أبوظبي، قدرة المتعايشين على العمل والتميّز وتحويل التحديات إلى مصدر للإلهام.
وقال إنه شُخّص بالمرض خلال سنته الأولى بكلية الطب قبل نحو 20 عاماً، فدفعه ذلك إلى اختيار طب الأعصاب، ثم التخصص في التصلب المتعدد.
وأوضح أن تجربته الشخصية ساعدته على فهم احتياجات مرضاه، وتقديم دعم طبي ونفسي يجعل رحلتهم أقل صعوبة، مؤكداً أهمية تشجيع المتعايشين على مواصلة العمل وممارسة الرياضة واتباع العادات الصحية لتحسين جودة حياتهم.
وأشار إلى أنه لم يكتفِ عند علاج الآخرين بالتعرّف إلى احتياجاتهم الطبية، بل أدرك ما يمكن أن يقدمه من خلال تجربته لمساندتهم نفسياً، ومساعدتهم على التعامل مع التحديات التي يواجهونها في حياتهم اليومية.
الاستعاضة عن الوصمة بالفهم

أكدت مديرة قسم الأبحاث والتوعية بالجمعية الوطنية للتصلب المتعدد، ياسمين متولي، أن الجمعية تدعم المتعايشين وعائلاتهم ومقدمي الرعاية عبر برامج ومجموعات تتيح تبادل التجارب والاستفادة من إرشادات المتخصصين والأدلة العملية، مشددة على أن الاستعاضة عن الوصمة بالفهم تصنع فارقاً، وأن بيئات العمل الدامجة تساعد المتعايشين على الاستمرار مهنياً.

