من خلال الخزف وفنون الطباعة والوسائط المتعددة، تقدّم الفنانة الإماراتية، إيمان الهاشمي، قراءة فنية للحياة الحضرية في الدولة، وتستكشف تحولاتها الزمنية وبناها التحتية والظروف التي تُشكل تجربة العيش فيها، وذلك في معرضها «الأفق الذي نرثه»، الذي افتتح أخيراً في «آيريس بروجيكتس» بـ«ميزا» في أبوظبي.
وتبحث الفنانة – التي تؤكد أن اهتمامها بالخزف ينبع من دراستها له أولاً، وكذلك لوجود تاريخ له في الإمارات – في الأنظمة التي تنظم تجربتنا المعاصرة في المدن، بدءاً من المسارات التي ترسم حركة التنقل اليومية، والإضاءة الاصطناعية التي تُشكل المساحات العامة، وصولاً إلى الأنماط المتكررة التي نختبر من خلالها البيئات الحضرية ونستوعبها بوصفها جزءاً من حياتنا اليومية، إذ تمنح إيمان الهاشمي هذه الأفكار حضوراً مادياً من خلال أعمالها بالطين، لتعيد في منحوتاتها تركيب العناصر المحورية في المعرض، من الشمس وأضواء الشوارع والمباني والدوارات، ضمن تكوينات هجينة تبدو مألوفة وغير مألوفة في آن واحد.
وفي امتداد لهذه الرؤية، يتعامل معرض «الأفق الذي نرثه» مع البيئة العمرانية لا بوصفها مجرد خلفية للحياة اليومية، بل قوة فاعلة تُشكل انتباهنا وذاكرتنا وإيقاع حركتنا. ومن هذا المنطلق، تطرح الفنانة الإماراتية تساؤلات حول ما نفقده حين تتغير المدن بفعل التوسع وإعادة التطوير، وما الذي يبقى من المكان حين لا يعود حاضراً إلا كأثر في الجسد، أو صورة فوتوغرافية، أو خريطة، أو في طريق اعتدنا سلوكه مراراً. ومن خلال استكشاف العلاقة المتغيرة بين ضوء الشمس وإنارة الشوارع، والإيقاعات الطبيعية والبنية التحتية الحضرية، والمكان المادي وسجله الرقمي، تدعو الفنانة المتلقي إلى التأمل في كيفية تشكل البيئات من حولنا باستمرار، وكيف نحفظها في ذاكرتنا، ونعيد تشكيلها، ثم نرثها.
رمز مهم
وعن اهتمامها بالشمس التي تبرز في أعمال «الأفق الذي نرثه»، قالت إيمان الهاشمي لـ«الإمارات اليوم»: «انطلقت فكرة المعرض من كيفية عيش الإنسان بين النهار والليل، وكيف مزجت أساليب الحياة بين الصباح والمساء، ومن هنا أخذت الشمس أهميتها في الأعمال، لاسيما أن أغلب الحضارات كانت تمنح الشمس مكانة مهمة وتلاحقها، ولكننا مع الحياة الحديثة بتنا لا نراها، خصوصاً أن معظم الأماكن التي نرتادها مغلقة».
وأضافت حول رمزية الشمس وإيقاعها في المدينة: «استلهمت عملي من الآية القرآنية ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾، لاسيما أنها جعلتني أفكر في الحياة الحديثة، وكيف بات الليل يمتزج مع النهار، لأنه حتى إضاءات الشارع ليلاً تكون على هيئة الشمس، واختفى الشكل المعتاد لليل بالمعنى الكامل».
وأشارت إلى أنها لاحظت وجود ديك بالقرب من منزلها، حتى صياحه بات في أوقات مختلفة، وأحياناً يصيح ليلاً، معتبرة أن هذا التحول يرتبط، إلى حد كبير، بعدم قدرته على التمييز بين الليل والنهار، ومن هنا أتى الديك أيضاً كرمز في الأعمال. ونوهت بتعدد الرموز لديها، حتى أصبحت الشمس تأخذ أشكالاً أخرى، حيث سعت لمزج مفهومي النهار والليل في العمل بشكل غير واضح تماماً، وهذا يعود إلى الأشياء الاصطناعية التي تتواجد في حياتنا اليومية.
توثيق
وأوضحت إيمان الهاشمي التي تستخدم الخزف كوسيط فني، أن أغلب أعمالها توثق ما نعيشه، وكذلك الآثار وأشكالها، وأرادت أن تكون أعمالها شبيهة بتلك المكتشفات القديمة، ولكن منتمية إلى العصر الحديث، ولذا اختارت الخزف الذي يعتبر من المواد القادرة على حمل أشياء أخرى، منوهة بأن اهتمامها بالخزف ينبع من دراستها له أولاً، وكذلك لوجود تاريخ له في الإمارات.
ورأت أن التحدي الأساسي في العمل على الخزف يكمن في عدم تواجد أفران كبيرة، إلا في الأماكن الصناعية، حيث يتم إنتاج الفخريات، مشيرة إلى أنها حرقت أعمالها الكبيرة في الذيد، ولكن هذه التجربة مدتها بمعرفة حول صناعة أمور أخرى من الخزف.
مفهوم الفقد
وتركز إيمان الهاشمي على مفهوم الفقد، معللة حضور هذا المعنى في أعمالها بالتحولات العمرانية، مستعيدة ذكرياتها من خلال عمل قدمته عن دوار كان في الفريج الذي تسكنه وقد تمت إزالته، ولكنه بقي على الخريطة مدة عامين بعد إزالته، ما دفعها إلى تقديم أعمال ترتبط به، لأنها تراه في ذاكرة الخريطة، وتشعر بالفقدان بسبب حضوره على الخريطة.
وكشفت أنها قدمت بعض الأعمال الخزفية مع الناس وكانت تبدو كما لو أنها تعبر عن التواصل معهم، وهي تبرز تحولات المدينة وكذلك الحياة التي نعيشها. وشددت على أن الإنسان دائم الارتباط بالأماكن، وهناك تعلق بالمدينة والأشياء الحاضرة فيها على نحو دائم، حتى إن تناسينا وجودها، فهي تظهر لاحقاً بشكل أو بآخر، ولفتت إلى أن المبدع يسأل نفسه: باستمرار ما الفن وما وظيفته؟ فالفن دائماً يوثق الحاضر، وعندما ترى الآثار القديمة تلتفت إلى القصة التي تحملها، ومن هنا ترغب في أن تكون أعمالها تحمل هذا النزوع في رواية القصص التي تبقى مع مرور الزمن.
كل يفسر بطريقته
قالت الفنانة الإماراتية إيمان الهاشمي إن تغير المكان وتبدلات المدينة وسرعة التحولات تؤثر في الفنان والإنسان، لأن المرء بطبيعته يتعلق بالأشياء وبالأماكن، ولذا فهناك الكثير من الفنانين الذين يتحدثون عن هذا التغير، ويحاولون توثيق ذلك من خلال الإبداع، وكأنهم يسهمون بذلك في حفظ التاريخ.
وأكدت أن ما ترغب فيه هو أن تكون أعمالها فرصة للمتلقي بأن يفتح حواراً مع نفسه، للعيش مع الطبيعة ومزاولة الممارسات الحديثة في الوقت نفسه، معتبرة أن الفن يحتمل التأويل وكل متلقي يفسر الأعمال بطريقته الخاصة.
إيمان الهاشمي:
• فكرة «المعرض» انطلقت من كيفية عيش الإنسان بين النهار والليل، وكيف مزجت أساليب الحياة بينهما.
• التحدي الأساسي في العمل على الخزف يكمن في عدم وجود أفران كبيرة، إلا في الأماكن الصناعية.

