أكد أصحاب مكاتب متخصصة في التوفيق بين الراغبين في الزواج لـ«الإمارات اليوم» أن الأحكام المسبقة والتعليقات السلبية التي تلاحق نشاطهم، عبر منصات التواصل الاجتماعي، تدفع بعض المستفيدين إلى التعامل معهم بسرية، على الرغم من أن هذه المكاتب تمارس نشاطاً مرخصاً، ويستعين بعضها بتقنيات الذكاء الاصطناعي لدراسة التوافق بين الطرفين، مشيرين إلى أن دورهم لا يتمثل في بيع وشراء فرص الزواج، وإنما في فتح أبواب التعارف الجاد بين أسر قد لا تجمعها صلات قرابة أو معرفة سابقة، بما يساعد على تكوين أسر مستقرة.
وأضافوا أن المستفيدين يلجأون إلى خدماتهم بحثاً عن زوج أو زوجة، لكنهم يفضلون إبقاء وسيلة التعارف سراً حتى بعد نجاح تجربة الزواج، خشية الانتقادات والتعليقات المحرجة من محيطهم الاجتماعي.
وفيما تستهدف التعليقات الساخرة، التي تختزل نظرة ضيقة إلى مكاتب الخطابة، المرأة، على نحو خاص، إذ يُنظر إليها بعين التشكك، بما يتضمن اتهاماً خفياً بالعجز عن العثور على زوج بالطرق التقليدية، يجد كثيرون من رواد هذه المكاتب أنفسهم أمام مفارقة اجتماعية، تتمثل في قبولهم الاستعانة بها للبحث عن الاستقرار الأسري، والشعور بالحرج من الاعتراف بدورها في الجمع بين زوجين.
«إتيكيت» الزواج
وتفصيلاً، قالت المتخصصة في القيادة التربوية والذكاء العاطفي صاحبة «مركز مايا الهواري لخدمات مكاتب الزواج» في دبي، الدكتورة مايا الهواري، إن بعض التعليقات التي تواجه المكاتب تعكس حاجة إلى رفع الوعي بطبيعة الزواج ومسؤولياته، لافتة إلى أن من بينها تعليقاً ورد إليها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تساءل صاحبه ساخراً: «إذا طلقتها، أردها المكتب.. ولا كيف؟».
وقالت: «مثل هذه التعليقات، حتى إن جاءت على سبيل المزاح، تحمل مفاهيم خاطئة عن العلاقة الزوجية»، مؤكدة أن الزواج ليس عملية شراء، وإنما علاقة إنسانية تقوم على الأخذ والعطاء.
وأوضحت أنها استفسرت عن أسباب تداول مثل هذه التعليقات، لتجد تشابهاً بينها وبين عبارات يرددها رواد مكاتب استقدام العمالة المساعدة، مشددة على أن «المقارنة بين الأمرين غير مقبولة».
ورأت أن التفكير في الطلاق، حتى قبل بدء تجربة الزواج، يعكس تصوراً غير صحيح عن الارتباط، خصوصاً عندما يدخل الشخص إلى مكتب الخطابة معتقداً أنه يخوض تجربة قابلة للإلغاء بسهولة، في حين أن الزواج قرار مصيري تترتب عليه مسؤوليات اجتماعية ونفسية ومالية.
وعن آلية عمل مركزها أوضحت أن التوفيق بين الراغبين في الزواج يمر بمراحل منظمة تهدف إلى معرفة طبيعة الشخص ومتطلباته ومدى توافقه مع الطرف الآخر.
وقالت إن المركز يعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعي في إجراء مطابقة أولية بين مواصفات المتقدم ومواصفات الزوج أو الزوجة التي يبحث عنها، قبل الانتقال إلى المقابلات الشخصية التي تتيح التحقق من مدى ملاءمة الترشيحات.
وشرحت أن المقابلات لا تقتصر على المواصفات الشكلية أو الاجتماعية، بل تتناول جوانب نفسية وعاطفية وشخصية، بهدف فهم التوقعات التي يحملها كل طرف تجاه الحياة الزوجية، والتعرف على التحديات التي قد تواجههما مستقبلاً.
وأشارت إلى أن هذه المراحل تسبق ترتيب «النظرة الشرعية»، إذ لا ينتقل المركز إليها إلا بعد استكمال إجراءات التوافق الأولية، مؤكدة أن الهدف هو تقليل احتمالات عدم التوافق، وليس ضمان نجاح الزواج أو خلو العلاقة من التحديات.
ولفتت الهواري إلى أن المركز خصص غرفة لاستقبال الراغبين في الزواج، أُطلق عليها اسم «غرفة المعاريس»، صُممت لتوفير الخصوصية والراحة للطرفين وعائلتيهما عند إجراء النظرة الشرعية.
وبيّنت أن التواصل بين الطرفين يتم وفق ضوابط تراعي خصوصية الأسر، إذ لا يجري في الحالات المعتادة تبادل أرقام الهواتف الشخصية بين الرجل والمرأة، ويقتصر التواصل على أرقام أولياء الأمور أو الأمهات، مع مراعاة ظروف بعض الحالات، ومنها المطلقون والمطلقات والراغبون في التعدد، وفقاً لطبيعة كل حالة.
وأوضحت أن المركز يقدم باقات مدفوعة، تراوح قيمتها ما بين 3600 درهم و5000 درهم.
وتشمل الخدمات إجراء المقابلات ودراسة متطلبات التوافق، إلى جانب البرامج التوعوية والمحاضرات، ومواد علمية تتناول آداب التعامل في الحياة الزوجية، تحت عنوان «إتيكيت الزواج».
وأشارت إلى أن الغاية لا تقتصر على جمع شخصين، بل تمتد إلى رفع مستوى الوعي بالمسؤوليات الزوجية قبل الارتباط، مؤكدة أن المركز يقدم خدماته في المرحلة الأولى لمواطني دولة الإمارات فقط، انطلاقاً من توجهه نحو المساهمة في زيادة حالات الزواج بين المواطنين، وتأسيس أسر إماراتية مستقرة.
وقالت إن الهدف من تأسيس المركز يتجاوز تقديم خدمة تجارية، ليشمل المساهمة في مواجهة التحديات المرتبطة بتكوين الأسرة، وتشجيع الزواج والإنجاب، وتعزيز الاستقرار الأسري باعتباره أحد مقومات استدامة المجتمع.
مفارقة اجتماعية
بدوره، أكد المواطن «بونهيان»، صاحب منصة «شريكي» لخدمات الزواج، وهي منصة مرخصة رسمياً ومتخصصة في الخطابة الإلكترونية باستخدام الذكاء الاصطناعي، أن بعض الأشخاص الذين نجحوا في العثور على شركائهم عبر المنصة يفضّلون عدم الإفصاح عن الطريقة التي تم التعارف بها، خشية التعليقات السلبية أو الأحكام المسبقة من أفراد الأسرة والأصدقاء.
وأوضح أن «هذه الظاهرة تعكس مفارقة اجتماعية، تتمثل في قبول الشخص الاستفادة من خدمات مكتب الزواج واقتناعه بجدواها، مقابل تردده في الاعتراف بدوره في إتمام التعارف، وكأن نجاح العلاقة الزوجية يجب أن يرتبط حصراً بالطرق التقليدية المتعارف عليها بين الأسر».
وقال: «إن بعض المستفيدين من خدماتنا، رغم نجاحهم في العثور على شركائهم، يفضلون عدم الحديث عن طريقة التعارف خوفاً من الانتقاد»، مشيراً إلى أن «النظرة المجتمعية السلبية تدفع الراغبين في الزواج إلى التعامل مع هذه المكاتب بسرية، على الرغم من أن الغاية من الاستعانة بها مشروعة وتتمثل في تكوين أسرة مستقرة».
وأضاف أن البحث عن الزوج أو الزوجة لم يعد بالضرورة مقتصراً على ترشيحات الأقارب والمعارف، خصوصاً مع اختلاف الظروف الاجتماعية وتطور وسائل التواصل، ما أتاح للمكاتب المتخصصة أداء دور في التعارف بين أسر لم تتح لها فرصة التواصل سابقاً.
وأشار إلى أن منصة «شريكي» طورت نظاماً إلكترونياً يساعد على تحديد التوافق بين الراغبين في الزواج وفق متطلباتهم وقناعاتهم الشخصية، مع التركيز على حماية خصوصية المتعاملين، وتنظيم عملية التعارف الجاد بين العائلات، بعيداً عن العلاقات العابرة أو غير الواضحة في أهدافها.
وشدد على ضرورة التمييز بين المكاتب المرخصة والحسابات أو الجهات غير الرسمية التي تقدم خدمات مشابهة، مؤكداً أن «تقييم مكاتب الزواج يجب أن يستند إلى مصداقيتها وشفافيتها والتزامها بالقوانين واحترامها لخصوصية المتعاملين، وليس إلى تعليقات ساخرة أو تجارب فردية لا يمكن تعميمها».
ورأى أن «المجتمع يحتاج إلى تقبل اختلاف وسائل البحث عن الزواج، ما دام قائماً على الصدق والاحترام والرضا المتبادل، ولا يتضمن خداعاً أو إخفاء معلومات جوهرية عن الطرف الآخر».
وشدد على أن «الزواج الناجح لا يقاس بالطريقة التي التقى بها الطرفان، بل بما يبنيانه معاً من مودة وثقة واستقرار»، معرباً عن أمله في أن تحظى مكاتب خدمات الزواج بقبول مجتمعي أكبر، وأن تسهم في الجمع بين مزيد من الراغبين في الارتباط وتكوين أسر مستقرة.
الزوجة المناسبة
من جانبها، ربطت الباحثة في التراث الثقافي، بدرية الحوسني، ظهور «الخطابة» بوصفها جزءاً من تقاليد الزواج في المجتمع الإماراتي بتغير أنماط الحياة والعلاقات الاجتماعية.
وشرحت أن الأسر كانت تتولى البحث عن الزوجة المناسبة لأبنائها من خلال الأمهات والأقارب والمعارف، بعد السؤال عن الفتاة وأسرتها، ولم تكن هناك خطابة تتولى هذه المهمة بصورة مهنية.
وأكدت أن للاستعانة بالخطابة جوانب إيجابية، إذ تسهم في التوفيق بين شخصين وتأسيس أسرة مستقرة، من خلال التعرف على ظروفهما ومتطلباتهما والسعي إلى الجمع بينهما بالحلال.
وحذرت من أن إخفاء الخطابة معلومات جوهرية عن الفتاة أو الرجل المتقدم للزواج، أو تقديم صورة غير حقيقية عن أحد الطرفين بهدف إتمام الارتباط وقبض الثمن، قد يؤدي إلى مشكلات وخلافات زوجية لاحقاً.
ورأت أن الحاجة إلى خدمات التوفيق بين الراغبين في الزواج أصبحت أكثر إلحاحاً هذه الأيام، نتيجة تغير طبيعة الحياة وانشغال الرجل والمرأة بالدراسة والعمل، وتراجع فرص التعارف المباشر بين الأسر، فضلاً عن أن كثيراً من الفتيات لم يعدن يشاركن في المناسبات والتجمعات الاجتماعية بالصورة التي كانت سائدة سابقاً، ما جعل فرص التعارف بالطرق التقليدية أكثر محدودية لدى كثير من الأسر، لافتة إلى أن وجود مكاتب متخصصة في التوفيق بين الراغبين في الزواج قد يمثل حلاً مناسباً، شريطة أن يخضع عملها لمعايير مهنية وأخلاقية واضحة، تتوافق مع سياسات الدولة وتوجهاتها الرامية إلى تعزيز استقرار الأسرة الإماراتية.
وأكدت أن نجاح هذه المكاتب لا يقاس بعدد حالات الزواج التي تسهم في إتمامها، وإنما بمدى التزامها بالأمانة والمصداقية وحماية حقوق الراغبين في الارتباط.
احتياجات جديدة
وأكدت المحاضرة والمدربة الدولية في القيادة والتوعية المجتمعية، عائشة الكندي، أن التغيرات التي طرأت على أنماط الحياة والعلاقات الاجتماعية أسهمت في ظهور احتياجات جديدة لدى الراغبين في الزواج، تستدعي التعامل مع مكاتب التوفيق باعتبارها إحدى الوسائل المرخصة من وزارة الأسرة.
وأوضحت أن تقييم هذه المكاتب ينبغي أن يستند إلى معايير مهنية واضحة، تشمل التحقق من جدية المتقدمين، ووضوح الخدمات والرسوم والالتزامات، بعيداً عن الأحكام المسبقة أو الانطباعات المتداولة عبر منصات التواصل الاجتماعي.
وأضافت أن التحدي الحقيقي لا يكمن في تقبل المجتمع لفكرة مكاتب الزواج فحسب، بل في قدرة المكاتب على بناء الثقة وتقديم خدمات تراعي خصوصية المجتمع وقيمه الأسرية، مؤكدة أهمية ألّا تتحول عملية التوفيق إلى مجرد مطابقة بين المواصفات الشخصية والاجتماعية، وإنما أن تقترن بالتوعية بمسؤوليات الزواج، ومساعدة المقبلين عليه على تكوين توقعات واقعية بشأن الحياة المشتركة.
وأشارت إلى أن «نجاح تجربة الزواج لا يمكن ضمانه من خلال مكتب أو نظام إلكتروني، مهما بلغت دقة أدوات التوافق المستخدمة، لأن استقرار العلاقة يرتبط بنضج الطرفين واستعدادهما لتحمل المسؤولية وإدارة الاختلافات»، مشددة على ضرورة الفصل بين دور المكتب في تيسير فرص التعارف، وبين القرار النهائي الذي يجب أن يبقى قائماً على القناعة والقبول المتبادل والاختيار الواعي.
خدمات مكاتب الزواج
تتيح وزارة الأسرة خدمة ترخيص مراكز الاستشارات الأسرية غير الحكومية، التي تشمل نشاط «خدمات مكاتب الزواج»، بهدف التوجيه والإرشاد للمقبلين على الزواج والتوفيق بينهم، وفق اشتراطات محددة، من بينها أن يكون مالك المركز المخصص للتوفيق بين الراغبين في الزواج مواطناً إماراتياً، وأن يقتصر نشاط المركز على خدمة التوفيق دون غيرها، وألّا يقل المؤهل العلمي لمقدم الطلب عن الثانوية العامة أو ما يعادلها.
ويأتي تنظيم هذا النشاط ضمن إطار رسمي يحدد متطلبات الترخيص والممارسة، فيما تبقى رسوم الباقات التجارية التي تقدمها المكاتب وخدماتها التفصيلية مرتبطة بما يعلنه كل مركز، ولا تعني بالضرورة أنها أسعار موحدة تحددها الوزارة.

