الرئيسية منوعات محتالون يستهدفون مدخرات كبار السن بروابط وهمية و«حِيَل نفسية»

محتالون يستهدفون مدخرات كبار السن بروابط وهمية و«حِيَل نفسية»

0 القراءة الثانية
0
0
0
wp header logo17923572291301924919

حذّر خبيران في مجال الأمن السيبراني من تصاعد أساليب الاحتيال الإلكتروني، الموجهة خصيصاً لاستهداف مدخرات كبار السن، مؤكدين أن الخطورة الحقيقية تكمن في تحول فكر المحتالين من مجرد اختراق الأجهزة والأنظمة إلى اختراق ثقة الإنسان والتلاعب بمشاعره، وهي حيل نفسية معقدة قد يقع ضحيتها أي شخص مهما كان مستواه التعليمي.

وأوضحا أن المجموعات الإجرامية تستغل قلة اطلاع بعض كبار السن على التطور التقني المتسارع للتطبيقات المصرفية، وتوظف تقنيات الذكاء الاصطناعي الإنشائي لتقليد أصوات الأبناء والأقارب لدفعهم إلى تحويل الأموال من دون تفكير.

من جانبها، أكدت وزارة الداخلية أن كبار السن من أكثر الفئات استهدافاً من قبل المحتالين إلكترونياً، الذين يستغلون ثقتهم بالجهات الرسمية وحرصهم على مساعدة أفراد أسرهم، وذكرت أنه مع تطور الذكاء الاصطناعي، أصبح المحتالون قادرين على تقليد أصوات أفراد الأسرة من خلال تسجيلات صوتية قصيرة، واستخدامها لخداع الضحية وطلب المال أو المعلومات الشخصية منها.

وتفصيلاً، قال الخبير في الأمن السيبراني، المهندس أحمد الزرعوني، إن المحتالين يستهدفون كبار السن لأسباب عدة، أبرزها أن بعضهم لا يمتلك المعرفة الكافية بأساليب الاحتيال الإلكتروني الحديثة، خصوصاً مع التطور السريع في التقنيات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي والتطبيقات المصرفية. كما يستغل المحتالون طبيعة كبار السن القائمة على الثقة بالآخرين.

وأكد أهمية إدراك أن كبار السن ليسوا أقل وعياً أو قدرة على اتخاذ القرارات، وإنما قد يكونون أقل اطلاعاً على أساليب الاحتيال المتجددة، موضحاً أن «المحتال لا يعتمد فقط على اختراق الأجهزة، بل يعتمد بشكل أكبر على اختراق ثقة الإنسان والتلاعب بمشاعره، وهي أساليب قد يقع ضحيتها أي شخص مهما كان عمره أو مستواه التعليمي».

واستعرض أبرز أساليب الاحتيال الإلكتروني التي تستهدف كبار السن، وأكثرها شيوعاً المكالمات الهاتفية والرسائل الاحتيالية التي تنتحل صفة جهات رسمية أو مصرفية، حيث يدعي المحتال وجود مشكلة في الحساب البنكي أو ضرورة تحديث البيانات، ثم يطلب معلومات البطاقة المصرفية أو رمز التحقق المرسل إلى الهاتف.

ومن الأساليب المنتشرة إرسال روابط وهمية عبر الرسائل النصية أو تطبيق «واتس أب»، تدعي وجود شحنة بريدية أو مخالفة مرورية أو استحقاق مكافأة مالية، بهدف دفع الضحية إلى إدخال بياناته الشخصية والمصرفية.

وقال: «نشهد تطوراً في عمليات الاحتيال باستخدام الذكاء الاصطناعي الإنشائي، حيث أصبح بالإمكان تقليد أصوات الأشخاص وإنشاء مقاطع صوتية ومرئية مزيفة، فقد يتلقى أحد كبار السن اتصالاً يبدو وكأنه من ابنه أو أحد أقاربه يطلب تحويل مبلغ مالي بشكل عاجل نتيجة تعرضه لمشكلة أو حادث».

وتابع: «هناك أيضاً الاحتيال الاستثماري من خلال وعود بأرباح مرتفعة ومضمونة، والاحتيال العاطفي الذي يعتمد على بناء علاقات وهمية لكسب الثقة، إضافة إلى الاحتيال عبر الدعم الفني المزيف، حيث يقنع المحتال الضحية بتثبيت تطبيق يتيح له التحكم عن بُعد بالهاتف والوصول إلى المعلومات الحساسة».

ونبه الزرعوني إلى أن الخطورة الحقيقية هي أن أساليب الاحتيال أصبحت أكثر إقناعاً، فلم يعد من السهل التمييز بين الرسائل والمكالمات الحقيقية والمزيفة بالاعتماد على الشكل أو الصوت فقط.

وأكد أن حماية كبار السن تبدأ من التوعية المستمرة بأسلوب مبسط يتناسب مع استخداماتهم اليومية للتكنولوجيا، مع ضرورة مشاركة أفراد الأسرة في توعيتهم ومساعدتهم على التعرف إلى أساليب الاحتيال الحديثة.

وحذر من مشاركة كلمات المرور أو البيانات المصرفية أو رموز التحقق مع أي شخص، حتى لو ادعى أنه موظف في البنك أو إحدى الجهات الرسمية. ومن الضغط على الروابط المجهولة أو تحميل التطبيقات من خارج المتاجر الرسمية، كما حذر من اتخاذ أي قرار مالي تحت الضغط أو الاستعجال، فالمحتال غالباً ما يستخدم أسلوب التخويف أو الادعاء بوجود حالة طارئة لدفع الضحية إلى التصرف دون تفكير.

وقال: «في حال تلقي اتصال من أحد أفراد العائلة يطلب تحويل أموال بصورة عاجلة، يجب إنهاء المكالمة والتواصل معه مجدداً عبر رقمه المعروف للتأكد من هويته، خصوصاً مع انتشار تقنيات تقليد الأصوات باستخدام الذكاء الاصطناعي».

ونصح بتفعيل التنبيهات المصرفية والمصادقة متعددة العوامل، وتحديث الهواتف والتطبيقات باستمرار، وتحديد سقف مناسب للتحويلات المالية اليومية، والاستعانة بأحد أفراد الأسرة الموثوقين عند مواجهة أي طلب غير معتاد.

وقال إنه في حال الاشتباه بوقوع عملية احتيال، يجب التواصل فوراً مع البنك لإيقاف البطاقة أو تأمين الحساب عند الحاجة، وإبلاغ الجهات الأمنية المختصة، وعدم التردد في طلب المساعدة.

المشتريات الرقمية

وأفاد الخبير التقني، عبدالنور سامي، بأن «كبار السن يتعرضون للاحتيال بسبب بُعدين اثنين، أولاً البُعد التقني وعدم الإلمام الكافي بالمستحدثات التقنية فتقع هذه الفئة ضحية للاحتيالات المدبرة والمتقنة، وهذا أمر طبيعي لكل فئة تكبر فئة أخرى، لاسيما في ظل الاحتيالات المتغيرة والمتطورة باستمرار، والبُعد الآخر، أن هذه الفئة هي الأكثر وداً وطيبة، فتقع ضحية للاحتيالات العاطفية».

ونبه إلى أن «من أكثر الاحتيالات رواجاً لهذه الفئة، هي المشتريات الرقمية، التي يتم التسويق لها بحملات إلكترونية مدفوعة، حيث يتم الإعلان عن منتج قد يحتاج إليه كبار السن، لكن لا يتم توصيل المنتج، أو يتم توصيل منتج خاطئ بحجة المواصفات المذكورة نصاً، والتي عادة ما تتجاهلها هذه الفئة».

وأشار إلى أن «هذه الحملات الاحتيالية تستهدف هذه الفئة بعناية، والمحتالون يدركون سمات كبار السن، وبالتالي يختارونهم دون غيرهم، ويقومون بعمل دعايات تتناسب معهم، بصناعة محتوى كانوا قد تعودوا عليه مسبقاً بأسلوب يقارب فكرهم».

وتابع: «من أكثر الطرق شيوعاً سرقة حساب (واتس أب) لأحد المقربين إلى كبير السن، والتواصل معه، والادعاء بوجود ظرف طارئ خارج الدولة مثلاً، ومن ثم طلب البطاقة المصرفية، أو تحويل مالي، أي تقمص شخصية أحد الأشخاص الذين يعرفونهم».

ونبه إلى أنه من المتوقع أن يبدأ المحتالون مستقبلاً باستخدام التزييف العميق وتغيير الصوت وتسجيل رسالة صوتية بتقمص صوت المرسل، أو صوت شخصية معروفة أو طبيب العائلة مثلاً، وطلب مدفوعات من كبير السن.

وقال: «إحدى الحيل التي يقع فيها كبار السن، هي أن يتواصل معهم شخص، ويدعي صداقته بابن الرجل مثلاً، وأنه أرسله لطلب المال، وهنا يذكر الشخص معلومات عامة فقط، وقد يكون ابناً أو حفيداً، فيذكر اسم المدرسة، أو اسم جهة العمل، أو المنطقة، ويدعي أنه أرسله لتحصيل هذا المبلغ المالي، ومن الحيل أيضاً التي يقع ضحيتها كبار السن، مدفوعات الفواتير والمصروفات (مثل سالك ورسوم المياه والكهرباء، أو دفع فواتير الهاتف). وقد ينفذ المحتال احتياله مرتين، فبعد تحقق الدفعة الأولى، يتصل ويدعي أنه من المصرف، وينبه عن حصول معاملة مالية، وعن أهمية اتخاذ إجراء فوري، ويطلب الموافقة على عملية أخرى».

«كلمة ذهبية»

وأكد أنه «لمكافحة هذا النوع من الاحتيال، نحتاج إلى تكاثف الجهات، فالمصارف على سبيل المثال، لابد أن تقدم خدمات مخصصة لكبار السن، وآلية تحقق إضافية، وأولوية في الخط الساخن، وتسهيلات للدفع مع الخدمات المعنية كالاتصال ورسوم الشارع والمواقف، لتفادي دخول كبير السن على مثل هذه الروابط».

وأكد أن ضعف التوعية يرجع إلى أن المحتالين يطورون مهاراتهم باستمرار، في حين تأتي التوعية بعد انقضاء فترة من هذا الاحتيال، أي أنها لا تتخذ منهجاً استباقياً، ولا تتدخل حتى تفشي الظاهرة، إضافة إلى أن الحملات التوعوية أصبحت شبه موسمية، منقطعة، ولابد على العائلة مساعدة كبير السن، سواء بالبقاء حوله، أو ضبط إعدادات هاتفه للحد من الاحتيال.

وقال: «عند توعية كبير السن، لابد أن يكون الأسلوب مناسباً، وعدم إلقاء اللوم عليه في حال وقع ضحية احتيال، وعلى المحيطين به أن يكونوا داعمين له دائماً».

ونصح بتخصيص بطاقة مدفوعة مسبقاً لعمليات الشراء من خلال التطبيقات المعتمدة داخل الدولة، لتقليص الضرر المتوقع، وأما عن الفواتير فيمكن ربطها بحساب البنك عوضاً عن الدخول إلى روابط الدفع.

وللحماية من الاحتيالات العائلية، يمكن الاتفاق مع كبير السن على «كلمة ذهبية»، ليسأل عنها قبل الوقوع ضحية احتيال، وعلى الأبناء والأحفاد والأقارب أن يستخدموها عند التواصل معه، ليتحقق أنهم أقاربه، وعلى الأقارب أن يحفظوا تلك الكلمة ولا يشاركوها مع الغرباء، وأما عن الأصدقاء وتقمص الشخصية، فيمكن نصح كبير السن قبل اتخاذ أي إجراء، بالاتصال بفرد من العائلة للتحقق، مؤكداً أنه «لابد على العائلة أن تكون داعمة ومساندة لكبير السن، حتى يقوم بالسؤال براحته».

مساحات موثوقة

من جانبها، أكدت وزارة الداخلية أهمية تعزيز الوعي وإشراك كبار السن في جهود الوقاية، من خلال توفير مساحات موثوقة تتيح لهم طرح الأسئلة ومشاركة تجاربهم والحصول على الدعم، وتطوير السياسات والخدمات الرقمية وإطلاق الحملات التثقيفية بالتعاون معهم.

وناقشت في جلسة عقدتها بعنوان «حماية كبار السن في العصر الرقمي»، ضمن أعمال مؤتمر الأمم المتحدة الـ15 لمنع الجريمة والعدالة الجنائية، الذي اختتم أعماله أخيراً في أبوظبي، مخاطر الاحتيال الإلكتروني الذي يستهدف كبار السن، وجهود تعزيز الوقاية والتعاون للتصدي لهذه الجرائم.

وأشارت إلى ارتباط الاحتيال الإلكتروني بجرائم عدة، عابرة للحدود، من بينها الاتجار في البشر، مؤكدة أهمية تعزيز التعاون بين أجهزة إنفاذ القانون والنيابات والمؤسسات المالية، وتسريع تبادل المعلومات والأدلة والبيانات المالية.


مسؤولية مشتركة

أكد الخبير في الأمن السيبراني، المهندس أحمد الزرعوني، أن حماية كبار السن من الاحتيال الإلكتروني ليست مسؤوليتهم وحدهم، وإنما مسؤولية مشتركة بين الأسرة والمؤسسات المالية والجهات المعنية بالتوعية والأمن السيبراني، ويجب أن ننتقل من التوعية التقليدية التي تكتفي بالتحذير من الروابط المشبوهة إلى التوعية العملية، من خلال تعليم كبار السن كيفية اكتشاف المكالمات المزيفة والتعامل مع الرسائل الاحتيالية والتحقق من هوية المتصلين.

ووجّه رسالة إلى جميع المعنيين بألا يجعلوا كبار السن يواجهون العالم الرقمي وحدهم، دقائق بسيطة نقضيها في توعيتهم ومساعدتهم قد تحمي مدخرات سنوات طويلة، وتجنبهم أضراراً مالية ونفسية كبيرة.