ينبه الألم الإنسان إلى المخاطر التي قد تهدد سلامة جسمه، ويدفعه إلى اتخاذ إجراءات وقائية.
لكن الشعور بالألم لا يرتبط بالإصابة وحدها، بل يتأثر أيضا بطريقة تفسير الدماغ للإشارات الحسية والتجارب السابقة.
فلماذا نشعر بالألم؟ وكيف يمكن أن يستمر حتى بعد زوال الإصابة؟
تشير "النظريات التنبؤية للإدراك" إلى أن الدماغ لا يكتفي باستقبال الإشارات الحسية من الجسم والبيئة، بل يستخدم التجارب السابقة لتوقع معناها، ثم يقارن هذه التوقعات بالمعلومات الواردة ويعدلها عند الحاجة.
وتتأثر تجربتنا الحسية بثلاثة عوامل رئيسية:
الإشارات القادمة من الجسم والبيئة.
التجارب السابقة.
التوقعات التي يستخدمها الدماغ لتفسير المعلومات.
وتشير تجربة شملت عشرة متطوعين إلى أن التوقعات قد تؤثر في شدة الألم. فقد عرّض الباحثون المشاركين لحرارة مؤلمة، ولاحظوا أن الذين توقعوا حرارة أقل شدة قيّموا الألم بأنه أقل بنحو 28٪، كما أظهرت فحوص الدماغ انخفاض النشاط في المناطق المسؤولة عن معالجة الألم.
وتوضح النتائج أن الإحساس بالألم لا يعتمد فقط على الإشارات العصبية، بل يتأثر أيضا بكيفية تفسير الدماغ لها.
ويوضح مفهوم "الاستدلال الفعال" العلاقة بين الألم والسلوك؛ إذ تؤثر مشاعر الإنسان في تصرفاته، وتؤثر تصرفاته بدورها في تجربته الحسية.
فعلى سبيل المثال، قد يتجنب المصاب بألم الظهر الانحناء خوفا من تكرار الألم. ورغم أن ذلك قد يخفف معاناته مؤقتا، فإنه يقلل فرص اختبار ما إذا كانت الحركة أصبحت أكثر سهولة وأمانا.
ويرى الباحث مايكل ثاكر وزملاؤه أن هذه الآلية قد تساعد في تفسير بعض حالات الألم المزمن، الذي قد يرتبط أيضا بإصابات مستمرة أو تلف الأعصاب.
وتستطيع الأعصاب رصد المؤثرات التي قد تسبب ضررا للجسم، مثل البرد الشديد، في عملية تسمى "استقبال المنبهات المؤلمة". لكنها تختلف عن الألم نفسه، الذي يمثل تجربة حسية وانفعالية غير مريحة. لذلك، قد لا تتناسب شدة الألم مع حجم تلف الأنسجة، وقد يستمر الشعور به حتى بعد زوال الإصابة.
وترى النظريات التنبؤية أن الألم يؤدي دورا وقائيا، إذ ينبه الإنسان إلى التهديدات المحتملة ويدفعه إلى حماية جسمه. لكن هذه الاستجابة قد تتحول أحيانا إلى عبء عندما يستمر الألم دون وجود ضرر مستمر.

