في غرفة هادئة داخل المركز الوطني للأرشيف والذاكرة العراقية في بغداد، لا تبدو بكرات الأفلام القديمة مجرد شرائط محفوظة على رفوف، بل صفحات من تاريخ بلد كان يوماً من أبرز مراكز الإنتاج السينمائي في العالم العربي. فكل بكرة تحمل قصة، وكل إطار يوثق مرحلة من الحياة الثقافية العراقية التي ازدهرت قبل أن تعصف بها عقود طويلة من الحروب والصراعات.
ومن هذا المكان، تتواصل جهود إعادة إحياء الذاكرة السينمائية العراقية، عبر فحص وترميم وحفظ الأفلام التي نجت من التلف والضياع، في محاولة لإنقاذ إرث ثقافي تعرض لضربات متتالية على مدى أكثر من خمسة عقود.
ولسنوات طويلة، شكّل العراق أحد أهم مراكز الإنتاج السينمائي والثقافي في المنطقة، واحتضنت دور العرض في مدنه حركة فنية نشطة، فيما قدم صناع الأفلام أعمالاً تركت بصمتها في تاريخ السينما العربية، وأسهمت في تشكيل المشهد الثقافي في البلاد.
غير أن هذا المشهد بدأ يتغير تدريجياً منذ سبعينات القرن الماضي، مع دخول العراق في سلسلة من الحروب والأزمات السياسية والاقتصادية.
وفي مواجهة هذا الواقع، يعمل مختصون في المركز الوطني للأرشيف والذاكرة العراقية على فحص بكرات الأفلام القديمة، وتقييم حالتها، وترميم ما يمكن إنقاذه، بهدف الحفاظ على هذا الإرث للأجيال المقبلة. وتشمل هذه الجهود حماية النسخ الأصلية من التدهور، وتوثيق محتواها، والعمل على نقلها إلى وسائط حديثة تضمن استمرارها.
لا تقتصر أهمية هذه الأفلام على قيمتها الفنية، بل تمثل سجلاً بصرياً لتاريخ العراق الاجتماعي والثقافي والسياسي، إذ توثق ملامح المدن، والعادات، والحياة اليومية، والتحولات التي شهدها المجتمع العراقي عبر العقود.
ويرى مهتمون بالشأن الثقافي أن الحفاظ على الأرشيف السينمائي لا يقل أهمية عن حماية المخطوطات والوثائق التاريخية، لأن الأفلام تعد جزءاً من الذاكرة الوطنية، وتمنح الأجيال الجديدة نافذة لفهم تاريخ بلادهم من منظور ثقافي وإنساني.
وتأتي هذه الجهود في وقت تشهد فيه الساحة السينمائية العراقية مؤشرات على استعادة نشاطها، مع ظهور جيل جديد من المخرجين والمنتجين الذين يسعون إلى إعادة حضور السينما العراقية في المهرجانات العربية والدولية، مستفيدين من قصص الواقع العراقي وتحولاته، إلى جانب تطور تقنيات الإنتاج الرقمي.
ورغم أن الطريق لايزال طويلاً أمام استعادة المكانة التي تمتعت بها السينما العراقية خلال عقود ازدهارها، فإن إنقاذ ما تبقى من أرشيفها يشكل خطوة أساسية نحو استعادة ذاكرة ثقافية كادت أن تضيع، وإعادة وصل الحاضر بتاريخ فني كان يوماً أحد أبرز وجوه العراق الحضارية.

