أصبحت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، الشهر الماضي، صاحبة أطول حكومة بقاءً في السلطة في تاريخ الجمهورية الإيطالية. وأسهمت عوامل عدة، من بينها طول بقائها السياسي على نحو غير معتاد، واعتدال سياستها الخارجية، وحضورها الشخصي، وحتى خلافها الأخير مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في تعزيز مكانتها بوصفها إحدى أبرز القيادات اليمينية في أوروبا.
وتبلغ نسبة التأييد الشخصي لميلوني نحو 41%، وهي من أعلى النسب بين قادة أوروبا الغربية. كما حافظ حزبها «إخوة إيطاليا»، المنتمي إلى اليمين المتطرف، على معظم قاعدته الشعبية، في إنجاز لافت في ظل تراجع التأييد للأحزاب الحاكمة في دول عديدة، ولاسيما وفقاً للمعايير السياسية الإيطالية.
لكن هذه المكاسب قد لا تكون كافية لضمان عودة الائتلاف الحاكم إلى السلطة بعد الانتخابات الإيطالية المقبلة المقررة عام 2027.
وحتى قبل اندلاع أعمال الشغب في ميلانو هذا الأسبوع، كان التحدي الأكبر الذي تواجهه ميلوني يأتي من داخل معسكر اليمين المتطرف، مع بروز حركة سياسية جديدة يقودها الجنرال السابق في الجيش الإيطالي روبرتو فاناتشي.
ومن المرجح أن يسعى فاناتشي، المعروف بخطابه الشعبوي والمثير للجدل، على غرار زعيمة حزب التجمع الوطني الفرنسي مارين لوبان، إلى استغلال الاضطرابات للترويج لخطاب حزبه القائم على «القانون والنظام». وإذا نجح في ذلك، فقد يكون على حساب الائتلاف الحاكم بقيادة ميلوني.
وكان فاناتشي ضابطاً رفيع المستوى أمضى نحو 40 عاماً في الخدمة العسكرية، قبل أن ينشر عام 2023 كتابه «العالم مقلوباً». وأثار الكتاب، الذي تضمن مواقف محافظة متشددة تجاه قضايا مثل العولمة والتعددية الثقافية وحقوق المرأة، جدلاً واسعاً، أدى إلى إيقافه عن الخدمة العسكرية.
لكن مواقفه المتشددة وأسلوبه الحاد جعلاه وجهاً مألوفاً في وسائل الإعلام، ومع تزايد الاهتمام به، برزت فرصه السياسية. ورأى ماتيو سالفيني، زعيم حزب «الرابطة» اليميني المتطرف والشريك الأصغر في ائتلاف ميلوني، أن ضم الجنرال إلى حزبه قد يساعد في استعادة شعبيته المتراجعة.
ولم تكن حسابات سالفيني بعيدة عن الواقع، إذ انتُخب فاناتشي عضواً في البرلمان الأوروبي عام 2024. لكنه سرعان ما غادر حزب «الرابطة»، وأسس في فبراير الماضي حزباً جديداً ينتمي إلى أقصى اليمين تحت اسم «المستقبل الوطني».
وتشير استطلاعات الرأي إلى أن الحزب الجديد بدأ يستقطب جزءاً من قاعدة «الرابطة» الشعبية، ما قد يهدد فرص الائتلاف الحاكم في الفوز بولاية جديدة.
وعلى الرغم من أن الحسابات الانتخابية والخلفية الإيديولوجية المشتركة قد توحيان بإمكان إقامة تحالف بين ميلوني وفاناتشي، فإن مواقف الأخير المتشددة تجعل هذا الاحتمال معقداً.
فقد جعل فاناتشي مفهوم «إعادة الهجرة»، الذي يشمل الدعوة إلى ترحيل مهاجرين وأجانب، ركناً أساسياً في برنامجه، وهو توجه تروج له قوى يمينية متطرفة، من بينها حزب «البديل من أجل ألمانيا». ورغم أن معارضة الهجرة تمثل إحدى السمات البارزة لحكومة ميلوني، فإن مواقفها لم تصل إلى هذا المستوى من التشدد.
كما يتبنى فاناتشي مواقف متشددة بشأن الأسرة التقليدية، إذ يقترح منح الآباء أصواتاً إضافية في الانتخابات وأولوية في التوظيف بالقطاع العام. ويؤكد برنامجه أن الإجهاض «ليس حقاً»، ويروج لما يسميه «النظام الأبوي المتوسطي»، ويدعو إلى إلغاء تصنيف قتل النساء جريمة مستقلة. وتتعارض هذه المواقف مع النهج السياسي لميلوني، الذي يجمع بين القيم المحافظة وتقديم نفسها نموذجاً لتمكين المرأة.
وتبدو الخلافات بين الطرفين أكثر وضوحاً في السياسة الخارجية. ففاناتشي يدعو إلى تخفيف قيود الانضباط المالي في منطقة اليورو، ويعارض خطط تعزيز التكامل الدفاعي الأوروبي. كما انضم إلى كتلة «أوروبا الأمم ذات السيادة» في البرلمان الأوروبي، وهي كتلة يقاطعها حتى حزب «الرابطة» بقيادة سالفيني، رغم تبنيه مواقف قومية متشددة داخل الائتلاف الحاكم.
أما في ما يتعلق بروسيا وأوكرانيا، فتتسع الفجوة أكثر، إذ يرى فاناتشي، على غرار حزب «البديل من أجل ألمانيا»، أن روسيا لا تمثل تهديداً وشيكاً لأوروبا، ويدعو إلى استئناف العلاقات التجارية والدبلوماسية مع موسكو، بما في ذلك شراء الغاز الروسي، كما يعارض تقديم الدعم لأوكرانيا.
في المقابل، يمثل دعم أوكرانيا ركناً أساسياً في السياسة الخارجية لميلوني، وهو ما ظهر أخيراً في انتقادها الصريح قرار ترامب رفع العقوبات عن صادرات الديزل الروسي، في وقت تواجه فيه أوكرانيا شتاءً قاسياً.
ويبدو تردد ميلوني في التحالف مع فاناتشي مفهوماً، إذ يخشى حزب «فورزا إيطاليا»، شريكها في الائتلاف والمنتمي إلى يمين الوسط، أن يؤدي التقارب معه إلى نفور الناخبين المحافظين المعتدلين.
أما حزب «الرابطة»، فيمر بمرحلة من الاضطراب، إذ يرغب بعض أعضائه في الابتعاد عن النهج القائم على الهوية الوطنية الذي يتبناه سالفيني، والعودة إلى جذور الحزب التي ركزت على تمثيل مصالح قطاع الأعمال والمجتمعات المحلية في أقاليم شمال إيطاليا.
وفي الوقت الراهن، تواجه ميلوني تحدي اليمين المتطرف بتشديد موقفها من ملف الهجرة. وقد يفسر صعود فاناتشي بعض أسباب قرارها تعليق تطبيق قواعد اتفاقية شنغن المتعلقة بحرية التنقل على المسافرين القادمين جواً وبحراً من إسبانيا، عقب الأحداث التي شهدتها سبتة.
وينطبق الأمر نفسه على القرار الأخير بتحديد سقف نسبته 30% للطلاب من أصول أجنبية في المدارس.
ومع ذلك، ليس مؤكداً أن تنجح هذه الاستراتيجية، إذ قد تتزايد الضغوط على ميلوني لإبرام اتفاق مع فاناتشي، خصوصاً لتجنب منحه فرصة تقديم نفسه بوصفه السياسي الوحيد المستعد لاتخاذ إجراءات صارمة تحت شعار «القانون والنظام» لمواجهة أعمال التخريب والنهب في ميلانو.
وفي هذا السياق، جاء قرار ميلوني إرسال 500 جندي إلى المدينة، قبيل مظاهرات أخرى مقررة احتجاجاً على غلاء المعيشة، في خطوة تهدف جزئياً إلى الحد من قدرة فاناتشي على استثمار الاضطرابات سياسياً.
أما الخيار الآخر، فيتمثل في محاولة تقويض مكانة فاناتشي بوصفه ممثلاً للقومية الإيطالية، من خلال تسليط الضوء على مواقفه المتطرفة وعلاقاته الوثيقة بروسيا.
وقد لا تتمكن ميلوني من استعادة الناخبين الأكثر تشدداً الذين اتجهوا إلى فاناتشي، لكنها قد تنجح في إقناع شريحة من المعتدلين باختيار ائتلافها بدلاً من أحزاب الوسط.
وتنطوي هذه الاستراتيجية على مخاطر حقيقية قد تؤثر في فرص ميلوني في الانتخابات المقبلة.
ومع ذلك، يتعين عليها توضيح أسباب تعارض مزيج فاناتشي من معاداة الاتحاد الأوروبي والمواقف المناهضة للمرأة مع نهجها القائم على «المحافظة الوطنية»، ومع مكانة إيطاليا داخل أوروبا.
ومن شأن اتخاذ موقف واضح في هذا الشأن أن يبعث برسالة مفادها أن الالتزام بالمبادئ الديمقراطية للاتحاد الأوروبي والتماسك الأوروبي يمثلان خطاً أحمر أخلاقياً.
وقد يتيح هذا النهج للقوميين المحافظين، مثل ميلوني، وضع حدود للقوى الواقعة إلى يمينهم. وفيما تسعى رئيسة الوزراء الإيطالية إلى الموازنة بين طموحاتها السياسية والتحدي الذي يمثله فاناتشي، فإن الرهانات تتجاوز مستقبلها السياسي لتشمل إيطاليا وأوروبا بأكملها. عن «الغارديان»
• ميلوني قد لا تتمكن من استعادة الناخبين الأكثر تشدداً الذين اتجهوا إلى فاناتشي، لكنها قد تنجح في إقناع شريحة من المعتدلين باختيار ائتلافها بدلاً من أحزاب الوسط.

