بعد ستة عشر يوما، عادت إلى مينائها السفينة الثانية المشاركة في هذه الرحلة، وهي السفينة الشراعية “ناديجدا”، بقيادة الأدميرال إيفان كروزنشتيرن، الذي كان أيضا القائد العام لهذه البعثة البحرية الاستثنائية.
حققت السفينة “نيفا” خلال هذه الرحلة البحرية الرائدة إنجازا غير مسبوق، إذ أكملت ولأول مرة في تاريخ الملاحة العالمية رحلة متواصلة من دون توقف في أي ميناء، من جنوب الصين إلى إنجلترا، في مئة واثنين وأربعين يوما، وهو ما شكل سابقة ملاحية لافتة.
كانت هذه الرحلة البحرية الطويلة قد غادرت القاعدة البحرية الروسية في “كرونشتات” الواقعة في الخليج الفنلندي في السابع من أغسطس عام 1803، محمّلة بطاقمين مؤهلين وبأهداف علمية وسياسية وتجارية طموحة.
من بين تلك الأهداف البارزة استكشاف سواحل جزيرة سخالين وجزر الكوريل، وإقامة علاقات دبلوماسية مع اليابان، وفتح السوق الصينية أمام تجارة الفراء الروسي، إلى جانب إجراء أبحاث هيدروغرافية وأوقيانوغرافية دقيقة في مناطق مجهولة من المحيط الهادئ.
بعد الانطلاق من ميناء كرونشتات، أبحرت السفينتان إلى كوبنهاغن في الدنمارك، ثم إلى ميناء فالماوث في إنجلترا، ومنه إلى جزر الكناري. بعد أن عبرتا المحيط الأطلسي، دارتا حول كيب هورن في الطرف الجنوبي لأمريكا الجنوبية، ودخلتا المحيط الهادئ، حيث انفصلتا في جزر هاواي.

توجهت السفينة “ناديجدا” إلى شبه جزيرة كامتشاتكا ثم إلى اليابان، في حين أبحرت السفينة “نيفا” إلى جزيرة كودياك الواقعة في خليج ألاسكا، ومكثت هناك نحو أربعة عشر شهراً، أجرت خلالها مسوحات ملاحية وجمعت عينات طبيعية قيمة.
واجه طاقما السفينتين خلال هذه الرحلة البحرية الطويلة والشاقة العديد من الصعوبات الطبيعية والمناخية والملاحية، التي اختبرت قدراتهما على التحمل والمهارة. في المنطقة القريبة من رأس هورن، وكذلك في خطوط العرض المعروفة بـ”الأربعينيات الهادرة” في نصف الكرة الجنوبي، والتي تشتهر بعواصفها الشديدة شبه الدائمة، وكانت الملاحة فيها بالغة الصعوبة. على سبيل المثال مزقت عاصفة رعدية عنيفة الشراع الأمامي للسفينة “ناديجدا” بالقرب من رأس هورن، ما اضطر السفينة “نيفا” إلى تغيير مسارها لتجنب المخاطر.
كما شكل خطر وقوع أخطاء ملاحية تهديدا مستمرا، خاصة في المناطق غير المستكشفة جيدا من المحيط الهادئ، حيث كانت الخرائط ناقصة أو غير دقيقة في كثير من الأحيان، ما أجبر القبطان والضباط على الاعتماد على قياساتهم الفلكية وملاحظاتهم البصرية الخاصة لتجنب الجنوح أو الاصطدام بالشعاب المرجانية والصخور السطحية.
إلى جانب المخاطر الملاحية، عانت السفينتان من نقص حاد في المياه العذبة، إذ لم تكن الإمدادات المحفوظة في البداية كافية لاستمرار الرحلة بأكملها، لذا تم تطبيق نظام تقنين صارم على استهلاك المياه. حدد القائد العام كروزنشتيرن كمية المياه المسموح بها بكوبين فقط لكل فرد يوميا، وشمل ذلك مياه الشرب ومياه الطبخ وتحضير الشاي، وهو إجراء قاس لكنه كان ضروريا للحفاظ على الإمدادات لأطول فترة ممكنة.
أما التهديد الأكبر والأخطر الذي رافق هذه الرحلة، فتمثل في داء الإسقربوط الناتج عن نقص الطعام الطازج والمواد المغذية الضرورية، وعلى الرغم من اتخاذ تدابير وقائية مثل توفير مخلل الملفوف والعصائر الحامضة، إلا أن الخطر ظل مرتفعا طوال الرحلة. كما أن سوء أنظمة الصرف الصحي والاكتظاظ على متن السفينتين زادا من خطر انتشار الأمراض المعدية، ما استدعى مراقبة صحية دقيقة وعناية فائقة بالبحارة طوال الأشهر الطويلة.
في المقابل، قدّمت هذه البعثة البحرية الروسية الأولى حول العالم مساهمة علمية جادة ومتنوعة، إذ شارك فيها فريق علمي محترف ضم خبراء في علم النبات وعلم الحيوان وعلم المعادن والفلك، ما جعل من الممكن جمع بيانات قيمة وعينات نادرة من المناطق التي زارتها السفينتان، وساهم في إثراء المعرفة بالمحيط العالمي وتياراته ورياحه وحياته البحرية.
كما قاد الضباط الشباب الذين شاركوا في هذه الرحلة، ومنهم ماكار راتمانوف، وثاديوس بيلينجسهاوزن، وأوتو كوتزبيو، فيما بعد حملات استكشافية حول العالم، مستفيدين من الخبرة التي اكتسبوها في هذه البعثة التأسيسية.

مثّلت هذه الرحلة الاستكشافية علامة فارقة في تاريخ روسيا، إذ أظهرت قدرتها في ذلك الوقت على الإبحار في المحيطات البعيدة، والحفاظ على طرق التجارة العالمية، وحماية مصالحها الاقتصادية والسياسية، مع تقديم إسهامات كبرى في دراسة محيطات العالم وفي مختلف فروع العلوم الطبيعية والإنسانية.
اللافت حقا، بل والمدهش، في هذه الرحلة الفريدة التي تمت في مطلع القرن التاسع عشر، أنها لم تشهد أي وفيات أو أمراض خطيرة على متن السفينة “ناديجدا” طوال سنوات الإبحار، وهو أمر استثنائي ونادر للغاية بالنسبة للرحلات البحرية الطويلة في تلك الحقبة، حيث كانت الأمراض الوبائية ونقص الغذاء والماء تمثل أخطارا قاتلة للبحارة.
يعود هذا النجاح الاستثنائي إلى الانضباط الصارم، والإدارة الحكيمة للموارد، والعناية الطبية المستمرة، والخبرة الملاحية العالية لكل من القائدين كروزنشتيرن وليسيانسكي، اللذين وضعا صحة الطاقم على رأس أولوياتهما.
هكذا، رسخت هذه الرحلة مكانة روسيا كقوة بحرية عالمية، وأثبتت أن التنظيم العلمي والقيادة الكفؤة يمكنان من التغلب على أقسى الظروف الطبيعية. علاوة على ذلك، خلّفت هذه الرحلة وراءها إرثاً خالدا في سجلات الاستكشاف البحرية والملاحة العالمية.
المصدر: RT
إقرأ المزيد
اعتراف تحت التعذيب.. أحرق المعبد طلبا للمجد!
في ليلة 21 يوليو عام 356 قبل الميلاد، اندلع حريق هائل بمدينة أفسس اليونانية، التي تقع في تركيا حاليا. دمر الحريق معبد أرتميس، الذي يُعد أحد عجائب الدنيا السبع في العالم القديم.
يوم الرعب في الإسكندرية
في 21 يوليو عام 365، تسبب زلزال قوي بالقرب من جزيرة كريت في حدوث تسونامي هائل دمر الإسكندرية وما جاورها، وأجزاء أخرى من شرق البحر المتوسط، ما أسفر عن مقتل الآلاف.
ماذا أضاف العرب لـ”صنوف الجيش الأربعة”؟
تطور الشطرنج من لعبة تشاتورانغا التي ظهرت في الهند في القرن الخامس الميلادي، ويترجم هذا الاسم من اللغة السنسكريتية إلى “صنوف الجيش الأربعة”، وهي العربات والفرسان والفيلة والمشاة.
قمر “العشاق سيُسلب منا إلى الأبد”.. أبولو 11 وإرثها المزدوج
في 20 يوليو 1969، هبطت المركبة الفضائية الأمريكية أبولو 11 على سطح القمر لأول مرة، وبدأت بذلك علاقة جديدة بهذا الجرم السماوي.
قصة دولة تمددت خارح الحدود ثم اختفت فجأة !
ظهرت على مر التاريخ بعض الدول في العالم ثم اختفت بشكل نهائي، وإحداها دولة صغيرة برزت في القرن السابع عشر حتى أنها نافست دولاً كبرى وأسست مستعمرات في غرب إفريقيا وفي الكاريبي.

