كان هذا الاعتقال ذروة مسيرة سياسية مثيرة للجدل لرجل كاد أن يعيد رسم خريطة أمريكا الشمالية. بعد انتهاء ولايته كنائب للرئيس في مارس 1805، غادر بور واشنطن متجهًا نحو الغرب، حيث استأجر أربعين ألف فدان من الأراضي فيما يُعرف اليوم بولاية لويزيانا.
لم تكن الخطوة مجرد صفقة عقارية عادية، بل بداية مشروع طموح لإقامة مستوطنة كبرى في المنطقة. اعتمد بور في تحركاته على دعم حليفه القديم الجنرال جيمس ويلكنسون، الذي كان يشغل منصبي القائد العام للجيش الأمريكي وحاكم إقليم لويزيانا. لكن ما لم يكن بور يعلمه على وجه اليقين، أن ويلكنسون كان على صلات مشبوهة بالإسبان، الذين كانت الولايات المتحدة في نزاع حدودي معهم آنذاك.
في صيف عام 1806، قاد بور مجموعة مسلحة من المستوطنين باتجاه نيو أورليانز، في خطوة أثارت هلع السلطات الفيدرالية. تنوعت التكهنات حول أهدافه: البعض قال إنه يخطط لغزو المكسيك أو تكساس، وآخرون زعموا أنه يسعى لإشعال ثورة ضد الحكم الإسباني، بينما ذهب فريق ثالث إلى اتهامه بالسعي لتأسيس دولة جديدة في الغرب والانفصال عن الاتحاد.
مع انتشار الشائعات، سارع ويلكنسون إلى التخلي عن حليفه السابق في محاولة لإنقاذ نفسه، وأرسل برقيات عاجلة إلى الرئيس توماس جيفرسون يتهم فيها بور بالخيانة العظمى، وأرفقها برسائل مشفرة زعم أن بور كتبها عن تفاصيل المؤامرة.
أصدر الرئيس جيفرسون في السابع والعشرين من نوفمبر 1806 بيانا رسميا أدان فيه المؤامرة دون أن يذكر اسم بور صراحة، وأمر بالقبض عليه. القبض لم يتم إلا بعد ثلاثة أشهر، وكان بور قد أصبح فارا مع نفر قليل من المؤيدين، يبحث عن مخرج للهروب خارج البلاد.

استسلم بور للسلطات في يناير 1807، ثم أُفرج عنه بكفالة، فاستغل الفرصة وهرب مجددا، إلى أن أُلقي القبض عليه نهائيا في فبراير، ونُقل إلى ريتشموند بولاية فرجينيا حيث وُجهت إليه تهمة “العقل المدبر للخيانة”.
دافع بور عن نفسه بأنه لم يكن يسعى سوى إلى الاستيطان وزراعة الأراضي التي اشتراها في تكساس، ولم تكن لديه نوايا انفصالية. التحقيقات كشفت أن الرسالة المشفرة التي أدانته كانت مشكوكا في صحتها، بل إن أدلة لاحقة أشارت إلى تلاعب ويلكنسون بعباراتها ليجعل من بور كبش فداء يضحي به نظير براءته هو.
في الأول من سبتمبر 1807، صدر الحكم بتبرئة بور، لكن بصيغة قانونية دقيقة هي “لم تثبت إدانته”. رأت المحكمة أنه رغم مشاركته في مؤامرة محتملة ضد الولايات المتحدة، لم يرتكب “فعلا ظاهرا” من أفعال الخيانة، وهو شرط جوهري في الدستور الأمريكي. لم تنجح التبرئة في إنقاذ سمعة الرجل الذي كان يوما نائبا للرئيس، فقد استنكرته الأوساط الشعبية، ووصفته الصحف بالخائن، فغادر إلى أوروبا حيث قضى سنوات في المنفى الاختياري قبل أن يعود إلى نيويورك ليمارس المحاماة بهدوء.
تظل “مؤامرة بور” لغزا تاريخيا لم يُحل بالكامل، لكن جذورها تمتد إلى عام 1804، حين قتل بور، ألكسندر هاميلتون في مبارزة دمرت سمعته السياسية إلى الأبد. يرى بعض المؤرخين أن بور، لو توفر له بعض الحظ أو أحاط نفسه بمستشارين أوفياء، لكان قادرا على تأسيس كيان سياسي جديد في أمريكا الشمالية، ولربما غيّر مسار التاريخ العالمي. غير أن القدر أراد له أن يظل في الهامش، شخصية مأساوية انتهى بها المطاف في قاعة محكمة بتهمة الخيانة، ولاحقا في صالات المحاكم مجددا، ولكن هذه المرة كمحام عادي.
المصدر: RT
إقرأ المزيد
ثمانية في قبر تحت الماء!
في مساء 17 فبراير 1864، وعلى مقربة من سواحل تشارلستون التي كانت تخنقها نيران الحصار، نفذ ثمانية رجال كانوا محشورين في أسطوانة حديدية، واحدة من أكثر المهمات يأسا في تاريخ الحروب.
القنابل على “دريسدن” والرسالة إلى “موسكو”!
لا يزال قصف مدينة دريسدن في ألمانيا، الذي نفّذته الطائرات البريطانية والأمريكية خلال الفترة الممتدة من الثالث عشر إلى الخامس عشر من فبراير عام 1945، حدثا رهيبا مثيرا للجدل.
معركة “جاسوسة القرن” ضد الولايات المتحدة!
في عالم التجسس حيث تتداخل الأوهام والحقائق وتتخفى الخيانات وراء أقنعة الوطنية، تبرز قصة آنا بيلين مونتيس كواحدة من أكثر الحكايات تعقيدا وإثارة في تاريخ الاستخبارات الأمريكية.
القصة المثيرة عن أستراليا “المصرية”!
تعد النقوش الهيروغليفية المصرية القديمة في أستراليا، والمعروفة باسم رموز جوسفورد، واحدة من الألغاز المثيرة للجدل.
هكذا كشرت بيونغ يانغ عن أنيابها.. وهكذا ردت واشنطن!
في العاشر من فبراير لعام 2005، أقدمت وزارة الخارجية في جمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية على خطوة غير مسبوقة بإعلانها العلني الرسمي الأول عن امتلاك البلاد أسلحة نووية.

