الرئيسية سياسة تصاعد «الشعبوية» قد يؤدي إلى تدهور الديمقراطية الغربية

تصاعد «الشعبوية» قد يؤدي إلى تدهور الديمقراطية الغربية

0 القراءة الثانية
0
0
3
wp header logo1720261560920883627

■ غابور شيرينغ أستاذ السياسات المقارنة في جامعة جورج تاون

ثمة وجهة نظر واسعة الانتشار تقول إن الشعبوية في تصاعد، وهي منتشرة في أميركا الشمالية وأوروبا وآسيا. ولكن ما الذي يغذي هذه الحركة؟ استغل السياسيون أمثال الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب هذا النهج العام، للمساعدة على دفع صعودهم إلى السلطة، وحافظوا على شعبيتهم وسط مؤيديهم.

ووصف ترامب خلال مؤتمر صحافي عقده في بودابست العاصمة المجرية في أبريل 2024 ما يقوم به، وكذلك رئيس حكومة هنغاريا، فكتور أوربان، بأنه «نضال ملحمي لتحرير دولتيهما من قوى الشر التي تريد تدميرهما» وتتضمن «قوى الشر»، وفق رؤيتهما، كل شيء بدءاً من الإعلام والمنظمات الدولية، والعلوم السائدة، والمهاجرين.

وغالباً ما يلقي أوربان اللوم على المجموعات الدولية، مثل المجموعات غير الربحية لتدخلها في سياسة بلاده، كما أنها تعمل ضد مصالح الدولة، وقرر الاتحاد الأوروبي عام 2022 أن المجر لم تعد دولة ديمقراطية.

وتمثل الشعبوية في شكلها الأكثر تطرفاً واستبدادية، تهديداً للديمقراطية، فهي تؤدي إلى استقطاب المجتمعات وتآكل الثقة بالمؤسسات، ولايزال الزعماء الشعبويون يتمتعون بجاذبية كبيرة، ويعدون الشعب بإعادة السلطة إليه. ومع ذلك، فإنهم غالباً ما يقدمون شيئاً مختلفاً تماماً عما وعدوا به شعوبهم، ويميلون إلى زيادة بعض المتاعب، مثل انعدام المساواة بين الجنسين والأعراق، دون معالجة الفجوة بين الأغنياء والفقراء.

ولقد كرست كثيراً من مسيرتي المهنية في تحليل الحركات الشعبوية، سواء كسياسي في البرلمان الهنغاري وكمعارض لنظام أوربان، والآن كباحث، وعلمتني هذه التجربة شيئاً واحداً فقط، مفاده أن حماية الديمقراطية من الشعبوية تتطلب أولاً فهم جذور أسبابها.

يرى العديد من الصحافيين وعلماء السياسة أن الشعبوية هي «ردة فعل ثقافية» للمحافظين البيض الذين يخشون فقدان امتيازاتهم في عالم متنوع.

وتعتبر الهجرة والعرق والدين ثلاث قضايا مركزية بالنسبة لسياسة العديد من الشعبويين. وهناك أيضاً عوامل اقتصادية مثل الاقتصاد الضعيف، والتجارة الدولية، والروبوتات الصناعية، والذكاء الاصطناعي، يعتقد بعض الخبراء أنها تسهم في تصاعد الشعبوية.

ويرجع ذلك إلى أن نمو الذكاء الاصطناعي، على سبيل المثال، أدى إلى تخفيض فرص العمل في قطاعات مثل الصناعة، التي كانت تمنح الطبقة العاملة طريقة إلى الحراك الاجتماعي.

ولايزال العديد من النقاد والعلماء يتساءلون عما إذا كان الاقتصاد يلعب دوراً مهماً في الشعبوية، وتتخذ هذه الحجة أشكالاً مختلفة، لكنها تتلخص في عبارات مثل تلك التي أدلى بها عالم سياسي بارز حول الانتخابات الرئاسية الأميركية في عام 2016 عندما قال: «تهديد المكانة وليس الصعوبات الاقتصادية، هو الذي يفسر الانتخابات الرئاسية».

وبعبارة أخرى، كانت الانتخابات الرئاسية عام 2016 متأثرة بالناخبين البيض الذين كانوا يخشون فقدان مكانتهم المهيمنة في المجتمع، بدلاً من صراعاتهم المالية.

الأمن الاقتصادي

يُظهر بحث حديث مصدراً آخر للقلق يؤدي إلى تصاعد دعم الشعبوية يتمثل في الاقتصاد، إذ يعد قلق الناس من انعدام الأمن الاقتصادي عاملاً حاسماً يدفع إلى انتشار الشعبوية في أوروبا وأميركا الشمالية، وأميركا اللاتينية. وعلى سبيل المثال، فإن الأميركيين الذين خسروا وظائفهم في قطاع الصناعة خلال العقد الأول من الألفية الثالثة تخلوا على الأرجح عن الحزب الديمقراطي وصوّتوا لترامب عام 2016. وهناك أدلة على أن مواقف الشعوب ضد المهاجرين يغذيها أيضاً قلقهم بشأن خسارة وظائفهم.

وأظهر الباحثون أن الأوروبيين الذين خسروا وظائفهم أو انخفضت مكتسباتهم نتيجة المنافسة مع المهاجرين أصحاب الدخل المنخفض، على سبيل المثال، كانوا ميّالين أكثر للشعور بتهديد العولمة، وكانوا أيضاً من المرجح أن يتبنّوا الأفكار القومية ويصوتوا لمرشحي اليمين الشعبوي في جميع أنحاء أوروبا الغربية.

الناخبون الشعبويون

تظهر الأبحاث أنه ليس جميع الناخبين الشعبويين مشمولين في مجموعة واحدة، إذ إنهم مجموعة متنوعة لديها محفزاتها ومخاوفها المتعددة. وعلى سبيل المثال، يهدد الذكاء الاصطناعي فرص العمل في الولايات المتحدة وأوروبا الغربية أكثر من أوروبا الشرقية، ما يجعل الأميركيين والأوروبيين الغربيين أكثر قلقاً بشأن هذه القضية من الأوروبيين الشرقيين.

ويعد العرق عاملاً آخر، وقد يشعر بعض الناخبين البيض الذين يواجهون صعوبات مالية بأن المهاجرين والأشخاص الملونين مسؤولون عن شغل الوظائف المتاحة، وهم المسؤولون عن مشكلاتهم الاقتصادية.

ولكن الشعبوية لا تقتصر فقط على المحافظين البيض، على الرغم من أن الدعم الشعبي لترامب يأتيه من العديد من المجموعات العرقية. وعلى سبيل المثال، فقد كافح السياسيون الديمقراطيون في الولايات المتحدة لكسب الناخبين السود.

ومن المعروف عادة أن الناخبين السود يصوتون للحزب الديمقراطي، لكن الحزب الديمقراطي شهد انخفاضاً بلغ 28% في تصويت السود له بين 2020 و2024. ومعظم الذين تخلوا عن التصويت للحزب الديمقراطي انتقلوا للتصويت للحزب الجمهوري.

وتحدث عملية تغير الولاء الانتخابي منذ عام 2008، وعندما تم انتخاب ترامب عام 2016، لم يعمل على زيادة دعم حزبه وسط الطبقة العاملة من البيض فقط بأربع نقاط مئوية – عما حصل عليه المرشح الجمهوري السابق ميت نومني عام 2012 الذي خسر الانتخابات – بل تمكن أيضاً من زيادة الدعم بين الناخبين السود من الطبقة العاملة بالنسبة ذاتها. ويشير هذا التغير إلى أن الديمقراطيين يعانون مشكلة الطبقة العاملة بصورة إجمالية، وليس مع الطبقة العاملة البيضاء فقط. وتمثل العوامل الاقتصادية محركاً رئيساً لدفع الناخبين بعيداً عن الحزب الديمقراطي.

ليسوا جميعاً متشددين

تميل العديد من وسائل الإعلام إلى التركيز على الناخبين الشعبويين الأساسيين الذين يتقنون إثارة الغضب بواسطة ما وصفه أحد الباحثين في مجال الشعبوية بـ«الأخلاق السيئة». وفي هذا السياق، فإن ذلك يعني استخدام لغة تحريضية أو إطلاق تصريحات غير صحيحة سياسية، من ضمن استخدام تكتيكات أخرى، أو لفت الانتباه إلى قضيتهم.

وتصاعدت الحركات الشعبوية الأكثر نجاحاً في أماكن مثل إيطاليا التي ترأس حكومتها جورجيا ميلوني، وبولندا، من خلال الناخبين الذين تقلقهم قضايا كسب العيش، وهي تدمج بين المجموعة الأساسية من الناخبين الشعبويين الذين تحركهم الثقافة والعنصرية، ومجموعة خارجية من الناخبين الذين لا تحركهم هذه القضايا في المقام الأول.

وفي نهاية المطاف، يعتمد دعم الناخبين للقادة الشعبويين على مدى انجذابهم للسياسيين غير الشعبويين من التيار السائد. ومن الممكن أن تساعد السياسات الاجتماعية والاقتصادية الشاملة، مثل توسيع نطاق التأمين ضد البطالة في درء موجة الشعبوية.

وأعتقد أن مكافحة الشعبوية اليمينية تتطلب بذل جهود متضافرة لمعالجة انعدام الأمن الاقتصادي الذي يغذي هذه الظاهرة العالمية. وقد يكون الطريق إلى الأمام صعباً، لكن البديل عالم تتآكل فيه الديمقراطية ومجتمعات تعيش حالات استقطاب حادة، كما أنها أكثر إثارة لمخاوف أفرادها.

• تمثل الشعبوية في شكلها الأكثر تطرفاً واستبدادية تهديداً للديمقراطية، فهي تؤدي إلى تآكل الثقة بالمؤسسات.

• الحركات الشعبوية الأكثر نجاحاً في أماكن مثل إيطاليا وبولندا نمت من خلال الناخبين الذين تُقلقهم قضايا كسب العيش.